محمد سعيد رمضان البوطي

322

فقه السيرة ( البوطي )

وعلى هذا ينزّل ما رواه البخاري وغيره عن عائشة رضي اللّه عنها أنها استأذنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الجهاد ، فقال : « جهادكن الحج » ، فالمقصود بالجهاد الذي استأذنت به عائشة رضي اللّه عنها ، إنما هو المشاركة في القتال لا الحضور للمداواة والخدمة وما أشبه ذلك ، فهو مشروع ، إذا توفرت شروطه باتفاق . وعلى كل فإن خروج المرأة مع الرجال إلى الجهاد مشروط بأن تكون في حالة تامة من الستر والصيانة ، وأن يكون خروجها لحاجة حقيقية إلى ذلك ، فأما إذا لم تكن ثمّ حاجة حقيقية أو كان ذلك يعرضها للوقوع في المحرمات فخروجها محرم لا يجوز إقراره . والمهم أن تعلم أن الأحكام الإسلامية منوطة بعضها ببعض ، فلا ينبغي تخيّر ما توحي به الأهواء منها لأسباب معينة مع الإعراض عما يتعلق به من الأحكام والواجبات الأخرى ، إن مثل هذا يعتبر بلا ريب مصداقا واضحا لقول اللّه تعالى : . . . أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ البقرة : 85 ] . ومن المكر القبيح لدين اللّه تعالى ما يعمد إليه بعض الناس لأغراض دنيوية حقيرة ، من التقاط ما قد يطلب منهم من الفتاوى الشرعية بعد أن يشذبوا منها كل القيود والشروط ويقطعوا عنها ما قد يتعلق بها من التتمات ، حتى تخرج موافقة للمطلوب خاضعة لأهواء السادة الموجهين . ثم يقدمون هذه الفتاوى إليهم على طبق من المداهنة والنفاق ! . . خامسا : ( تحريم قتل النساء والأطفال والأجراء والعبيد في الجهاد ) فقد دل على ذلك حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى المرأة التي قتلها خالد بن الوليد ، وقد اتفق العلماء والأئمة كلهم على ذلك . ويستثنى منه ما إذا اشتركوا في القتال وباشروا في مقاتلة المسلمين ، فإنهم يقتلون مقبلين ، ويجب الإعراض عنهم مدبرين . كما أنه يستثنى ما إذا تترس الكفار بصبيانهم ونسائهم ، ولم يمكن ردّ غائلتهم إلا بقتلهم ، فإن ذلك جائز ، وعلى الإمام أن يتبع ما تقتضيه المصلحة « 1 » . سادسا : ( حكم سلب القتيل ) : قلنا إن النبي صلى اللّه عليه وسلم أعلن في هذه الغزوة أن من قتل

--> ( 1 ) الأحكام السلطانية : 4 ، مغني المحتاج : 4 / 223 .